تسريب اجتماع «الأحرار»: حين تتحول الاجتماعات الحزبية المغلقة إلى مسرح مفتوح للمساءلة الجنائية

الدكتور يونس باعدي: متخصص في القانون الجنائي الرقمي والأمن السيبرياني
في زمن لم تعد فيه الاجتماعات المغلقة بمنأى عن الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية المتصلة، ولم يعد فيه التسجيل الصوتي يحتاج إلى معدات معقدة أو خبرة تقنية، أصبحت التسريبات الرقمية جزءا من الصراع السياسي والانتخابي. فهي قادرة خلال دقائق، على نقل نقاش داخلي محدود سري إلى فضاء عمومي مفتوح، وعلى تحويل كلام قيل في سياقه المؤسساتي الخاص إلى مادة للتداول والتأويل والاصطفاف السياسي.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال التسجيل الصوتي المتداول والمنسوب إلى اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار في مجرد واقعة إعلامية عابرة. فالقضية تثير أسئلة تتجاوز مضمون التسجيل والأشخاص الواردة أسماؤهم فيه، لتصل إلى حدود الحق في المعلومة، وحرمة الاجتماعات الحزبية، والمسؤولية الجنائية عن التسجيل والتسريب والنشر، والقيمة الإثباتية للمادة الصوتية، فضلا عن تأثير التسريبات في سلامة المنافسة الانتخابية وحرية إرادة الناخب.
غير أن تناول الواقعة قانونيا يفرض قدرا كبيرا من الحذر. فالمعطيات المنشورة لا تكفي للجزم بهوية من قام بالتسجيل أو التسريب، ولا بكيفية الحصول على الملف الصوتي، ولا بمدى اكتماله أو تعرضه للاجتزاء أو التعديل. كما لا يوجد، إلى حدود كتابة هذا المقال، حكم قضائي أو خبرة تقنية رسمية منشورة تحسم هذه العناصر.
لذلك، فإن ما يمكن تحليله هو الوضع القانوني المحتمل للواقعة، وليس إصدار حكم مسبق في حق أشخاص لم تثبت مسؤوليتهم قضائيا.
أولا: ماذا نعرف عن الواقعة؟
بحسب المعطيات المنشورة، جرى تداول تسجيل صوتي منسوب إلى مداخلة عضو من أعضاء المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، قيل إنها صدرت خلال اجتماع داخلي للمكتب السياسي للحزب انعقد بتاريخ 25 غشت 2026.
وتضمن التسجيل المتداول مواقف وانتقادات مرتبطة بما اعتبر محاولات لاستقطاب مرشحين ومنتخبين، إلى جانب انتقادات سياسية موجهة إلى شخصية سياسية معروفة، والذي كان قد التحق بصفوف حزب الأصالة والمعاصرة مأخرا.
وقد صرح رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بأن الأمر يتعلق بتسريب جزء من نقاشات المكتب السياسي، معتبرا أن الاجتماع يمثل فضاء داخليا للتعبير الحر عن آراء أعضاء القيادة الحزبية قبل بلورة الموقف الجماعي الرسمي. كما تحدث عن تحوير التسجيل أو إخراجه من سياقه، وأعلن احتفاظ الحزب بحقه في اللجوء إلى القضاء ضد من تثبت مسؤوليته عن التحوير أو التسريب أو النشر.
ومن جهته، استنكرت الجهة المنسوب اليها التسجيل، في تصريح صحافي، حول تسجيل مداخلته وتسريبها، موضحا أن النقاش داخل المكتب السياسي كان عاديا، وأن بعض المواقف المعبر عنها سبق أن أعلنها علنا.
هذه المعطيات تسمح بالقول إن وقوع التسريب نفسه لم يعد مجرد رواية مجهولة المصدر، بعدما تناولته قيادة الحزب علنا. لكنها لا تسمح بالجزم بأن كل نسخة متداولة مطابقة للتسجيل الأصلي، أو بأن المقاطع المنشورة تقدم المداخلة كاملة، أو بأن كل ما نسب إلى المتحدث ورد بالصورة والسياق اللذين قدم بهما إلى الجمهور.
كما أن ما ورد في التسجيل من حديث عن ضغوط أو استمالات سياسية يظل، من الناحية القانونية، ادعاءات تحتاج إلى تحقيق وأدلة مستقلة. فالتسجيل قد يثبت، بعد التحقق التقني، أن شخصا أدلى بأقوال معينة؛ لكنه لا يثبت بمفرده صحة جميع الوقائع التي تحدث عنها.
وهنا يظهر أول تمييز ضروري: إثبات صدور الاتهام شيء، وإثبات صحة موضوع الاتهام شيء آخر.
ثانيا: هل تعد مداخلات الاجتماع الحزبي المغلق أقوالا خاصة أو سرية؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن اجتماع المكتب السياسي لحزب يقود الحكومة يرتبط بالشأن العام، وبالتالي لا يمكن إخضاعه للقواعد نفسها التي تحمي المحادثات العائلية أو الشخصية غير أن هذا التصور يحتاج إلى تدقيق.
فالقانون الجنائي المغربي لا يقتصر على حماية أسرار الحياة العائلية أو الحميمة، وإنما يمد نطاق الحماية إلى الأقوال والمعلومات الصادرة بشكل خاص أو سري. وفي هذا الإطار، يجرّم الفصل 447-1 من مجموعة القانون الجنائي التقاط هذه الأقوال أو المعلومات أو تسجيلها أو بثها أو توزيعها عمدًا، وبأي وسيلة، بما فيها الأنظمة المعلوماتية، دون موافقة أصحابها، ويعاقب مرتكب هذه الأفعال بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم.
وتندرج هذه الحماية ضمن الإطار الدستوري العام الذي يقرره الفصل 24 من دستور المملكة، إذ يضمن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، ويمنع انتهاك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها، أو الاطلاع على مضمونها أو نشرها، كليا أو جزئيا، إلا بأمر قضائي ووفق الشروط والكيفيات التي يحددها القانون.
وبناء عليه، فإن اجتماع المكتب السياسي، وإن تناول مسائل مرتبطة بالشأن العام، يظل من حيث الأصل فضاء مؤسساتيا غير مفتوح للجمهور، ولا يفترض أن تكون جميع المداخلات الصادرة داخله معدة للنشر. غير أن وصف هذه المداخلات بأنها أقوال صادرة بشكل خاص أو سري لا يتحقق بصورة آلية لمجرد انعقاد الاجتماع خلف أبواب مغلقة، بل يظل رهينا بظروف كل واقعة، ولا سيما طبيعة الاجتماع، وصفة الحاضرين، والقواعد الداخلية المنظمة له، وما إذا كان التسجيل رسميا أو شخصيا، ومدى علم المشاركين بوجوده أو موافقتهم عليه.
كما أن العمل الحزبي يحتاج إلى حد أدنى من السرية المؤسساتية حتى يتمكن أعضاء الأجهزة التقريرية من مناقشة الاختلافات والتصورات والانتقادات بحرية، قبل الوصول إلى موقف رسمي. وإذا أصبح كل نقاش داخلي معرضا للتسجيل والنشر الفوري، فقد تتحول الاجتماعات الحزبية من فضاءات للتداول الحقيقي إلى جلسات حذرة لا يقول فيها المشاركون سوى ما يمكنهم قوله أمام الكاميرات.
لكن سرية الاجتماع لا تعني أن كل ما يدور داخله يتمتع بحصانة مطلقة. فإذا كشف التسجيل، على سبيل الفرض، عن أفعال إجرامية جدية أو مخاطر تهدد نزاهة الانتخابات، فإن المصلحة العامة قد تفرض التحقيق في المضمون. غير أن وجود مصلحة عامة في التحقق من الوقائع لا يمنح، بصورة تلقائية ترخيصا قانونيا مفتوحا لتسجيل الاجتماعات الخاصة ونشرها.
ثالثا: التسجيل والتسريب في ضوء الفصل 447-1
يعاقب الفصل 447-1بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من ألفي درهم إلى عشرين ألف درهم كل من قام عمدا، وبأي وسيلة، بما فيها الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بصورة خاصة أو سرية، دون موافقة أصحابها.
ويكشف النص عن تعدد الأفعال المجرمة. فهو لا يجرم التسجيل وحده، بل يشمل كذلك الالتقاط والبث والتوزيع. وبذلك قد يكون الشخص الذي سجل المداخلة غير الشخص الذي سربها، وقد يكون من أعاد نشرها قد ارتكب فعلًا مختلفًا عن الفعل الأول، متى توافرت في حقه بقية العناصر القانونية.
غير أن تطبيق هذا الفصل على الواقعة المعروضة يقتضي إثبات مجموعة من العناصر، أهمها:
• أن الأقوال صدرت في إطار خاص أو سري.
• أن التسجيل أو البث أو التوزيع تم دون موافقة أصحاب الأقوال.
• أن الفاعل تصرف عمدا.
• أن الشخص المتابع هو من ارتكب فعلا من الأفعال المحددة في النص أو ساهم فيه وفق القواعد العامة للمشاركة.
ولا يكفي العثور على التسجيل في هاتف شخص أو إثبات أنه توصل به للقول تلقائيا بقيام الجريمة. إذ يجب تحديد طبيعة الفعل الذي قام به، ومدى علمه بمصدر التسجيل وصفته الخاصة، وما إذا كان قد أعاد بثه أو وزعه عمدًا.
كما لا يجوز نسبة فعل التسجيل إلى عضو بعينه داخل الاجتماع اعتمادا على التكهنات السياسية أو البحث عن الطرف المستفيد. فالمستفيد المحتمل من التسريب ليس بالضرورة هو من نفذه، والمسؤولية الجنائية شخصية، ولا تبنى على الشبهات أو الاستنتاجات الإعلامية وحدها.
رابعا: ماذا لو كان التسجيل مجتزأً أو مركبًا؟
يثير تصريح رئيس الحزب بشأن احتمال تحوير التسجيل أو إخراجه من سياقه تطبيقا محتملًا للفصل 447-2 من القانون الجنائي. فهذا الفصل يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من ألفي درهم إلى عشرين ألف درهم كل من قام، بأي وسيلة، بما فيها الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو بث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم.
لكن استعمال مفهوم «التحوير» في الخطاب السياسي أو الإعلامي لا يكفي وحده لقيام الجريمة. فهناك فرق بين نشر جزء قصير من مداخلة طويلة، وبين تركيب مقاطع منفصلة بطريقة تنتج معنى لم يصدر عن المتحدث، أو استعمال تقنيات رقمية لتغيير الكلمات أو ترتيبها أو توليد صوت مزيف.
ليس كل اختصار تركيبا، وليس كل اجتزاء تزويرا. لكن الاجتزاء قد يصبح ذا دلالة جنائية إذا أدى، بعد فحص علمي، إلى صناعة مضمون مختلف جوهريا عن الكلام الأصلي، أو إذا اقترن ببث وقائع كاذبة بقصد التشهير.
خاصة انه في زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد التشابه الصوتي وحده كافيا للجزم بصحة التسجيل. كما أن إنكار التسجيل لا يكفي وحده لإسقاطه؛ إذ تبقى الخبرة التقنية والتحقيق القضائي هما الطريق السليم لتحديد الحقيقة.
خامسا: إعادة النشر ليست دائما فعلا محايدا
من الأخطاء المتداولة الاعتقاد أن المسؤولية تقع فقط على الشخص الذي سجل الاجتماع أو قام بأول عملية تسريب، وأن بقية المتداولين لا يفعلون سوى نقل مادة أصبحت متاحة للعموم.
غير أن الفصل 447-1 يستعمل عبارتي «البث» و«التوزيع»، وهو ما يفتح من حيث المبدأ إمكانية مساءلة من يعيد نشر الأقوال الخاصة أو السرية دون موافقة أصحابها، متى ثبت القصد وتوافرت العناصر الأخرى للجريمة.
ولا يعني ذلك أن كل مواطن أعاد إرسال التسجيل داخل محادثة خاصة سيخضع حتما للمتابعة والعقاب؛ لأن تقدير المسؤولية يتوقف على ظروف كل حالة، وطبيعة النشر، ونطاقه، وعلم الناشر، وصفته، ودرجة مساهمته في توسيع التداول.
أما بالنسبة إلى المنابر الصحفية، فيجب التمييز بين الإخبار بوجود تسريب وتحليل دلالاته السياسية والقانونية، وبين إعادة بث التسجيل كاملًا أو نشر رابط يتيح تحميله وتوسيعه على نطاق جماهيري.
ويزداد الحذر عندما يتضمن التسجيل اتهامات موجهة إلى أشخاص بأسمائهم. ففي هذه الحالة، ينبغي نسب الأقوال إلى مصدرها، وبيان أنها ادعاءات لم تثبت قضائيًا، وتمكين المعنيين من الرد، وتجنب تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق نهائية.
فالصحافة لا تؤدي وظيفتها حين تتحول إلى مجرد قناة تقنية لإعادة توزيع مادة مجهولة المصدر، وإنما حين تتحقق وتضع المعلومات في سياقها وتفصل بين الخبر والرأي والاتهام والحقيقة القضائية.
سادسا: هل المصلحة العامة تبرر النشر؟
لا يتضمن الفصل 447-1، بصيغته الحالية، استثناء عاما وصريحا يبيح تسجيل الأقوال الخاصة أو نشرها كلما ادعى الفاعل وجود مصلحة عامة. ولذلك لا يمكن التعامل مع «حق الجمهور في المعرفة» باعتباره سببا آليا لإسقاط التجريم.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حرية التعبير والصحافة والحق في الوصول إلى المعلومات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوقائع قد تؤثر في نزاهة الانتخابات أو تكشف ممارسات تمس بالمنافسة السياسية.
ويفرض هذا التعارض البحث عن توازن بين الحقوق والمصالح المتقابلة، من خلال أسئلة عملية:
هل تتعلق المادة المنشورة فعلا بواقعة ذات أهمية عامة، أم بخلاف شخصي داخل حزب؟ هل كان نشر التسجيل كاملا ضروريا، أم كان يكفي الإخبار بمضمونه؟ هل تحقق الناشر من صحة الملف؟ هل منح الأشخاص المعنيين حق الرد؟ هل تم إخفاء المعلومات التي لا صلة لها بالشأن العام؟ وهل كان هدف النشر خدمة النقاش العمومي أم التشهير أو التأثير الانتخابي؟
كلما كان النشر مهنيا ومحدودا بما يخدم المصلحة العامة، تعززت حجج الحماية المرتبطة بحرية الصحافة. وكلما اتجه إلى الإثارة والاجتزاء ونشر الاتهامات غير المتحققة، اتسع مجال المسؤولية القانونية.
سابعا: القيمة الإثباتية للتسجيل
تقرر المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية مبدأ حرية الإثبات، إذ يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويحكم القاضي وفق اقتناعه الصميم، مع وجوب تضمين المقرر ما يبرر هذا الاقتناع.
لكن حرية الإثبات لا تعني أن كل تسجيل متداول على شبكات التواصل يشكل دليلا كافيا للإدانة. فالقاضي لا يبني اقتناعه على انتشار المادة أو عدد مشاهديها، وإنما على سلامتها ومدى اتصالها بالوقائع ومناقشتها حضوريا أمام المحكمة.
وإذا أريد الاستناد إلى التسجيل للتحقيق في وجود ضغوط أو استمالات انتخابية، فيجب أولا التحقق من أصالته، ثم البحث عن أدلة أخرى تؤيد مضمونه، مثل الشهادات والمراسلات والوثائق والوعود المحددة والتحويلات أو الوقائع المادية ذات الصلة.
فالتسجيل، حتى لو ثبتت صحته، قد يثبت أن المتحدث عبر عن اعتقاد أو نقل معلومة أو وجه اتهاما، لكنه لا يحول اعتقاده أو اتهامه إلى حقيقة قضائية بمجرد صدوره عنه.
كما ينبغي التمييز بين احتمال عدم مشروعية وسيلة الحصول على التسجيل وبين قيمته المحتملة في الإثبات. فقد يثير التسجيل بحثا في وقائع أخرى، مع بقاء المسؤولية عن طريقة تسجيله أو نشره قائمة بصورة مستقلة. ولا يجوز أن يؤدي الاهتمام بمصدر التسريب إلى تجاهل مضمون قد يستدعي التحقيق، كما لا يجوز أن تؤدي خطورة المضمون إلى إباحة كل وسيلة استُعملت للحصول عليه.
ثامنا: «ماكرون ليكس» نموذجا مقارنا
تقدم قضية «ماكرون ليكس» التي رافقت الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2017 نموذجا مقارنا أكثر اتصالا بالتسريبات الانتخابية من القضايا العامة المتعلقة بالكاميرات الخفية أو الحياة الخاصة.
في مساء 5 ماي 2017، وقبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، نشرت على الإنترنت كمية كبيرة من الرسائل الإلكترونية والوثائق الداخلية التابعة لفريق حملة المرشح إيمانويل ماكرون. وجاء النشر في اللحظات الأخيرة من الحملة، قبيل الاقتراع الذي جرى في 7 ماي 2017.
وقد أعلنت حملة ماكرون تعرضها لعملية اختراق معلوماتي واسعة، بينما حذرت اللجنة الوطنية الفرنسية لمراقبة الحملة الانتخابية وسائل الإعلام ومستخدمي الإنترنت من إعادة نشر الوثائق، بالنظر إلى احتمال احتوائها على معلومات مزيفة، وإلى خطر تأثيرها في سلامة الاقتراع خلال فترة الصمت الانتخابي.
وفتح مكتب المدعي العام في باريس تحقيقًا بشأن الدخول الاحتيالي إلى نظام للمعالجة الآلية للمعطيات والمساس بسرية المراسلات. ويجد التجريم المتعلق بالاختراق أساسه في المادة 323-1 من القانون الجنائي الفرنسي، بينما تجرّم المادة 226-15 اعتراض المراسلات الإلكترونية أو استعمالها أو إفشاءها بسوء نية.
كما كانت المادة L.49 من مدونة الانتخابات الفرنسية تحظر، ابتداءً من نهاية الحملة، نشر أو إعادة نشر الرسائل ذات الطابع الدعائي الانتخابي بواسطة وسائل الاتصال الإلكتروني. وأكد التقرير الرسمي للجنة مراقبة الحملة الرئاسية أن هذه الفترة تهدف إلى حماية حرية الاقتراع من التأثيرات التي تقع في اللحظات الأخيرة، وأن مخالفة الحظر كانت معاقبًا عليها، وقتها، بغرامة قدرها 3750 يورو.
والدقة العلمية تفرض هنا تسجيل ملاحظة أساسية: قضية «ماكرون ليكس» كانت واقعة حقيقية وموضوع تحقيق جنائي وتدخل رسمي من لجنة مراقبة الحملة، لكنها لم تنته، وفق المصادر الرسمية المتاحة، إلى حكم جنائي نهائي معلن يدين أشخاصًا محددين بتنفيذ عملية الاختراق والتسريب. ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها حكمًا قضائيًا بالإدانة.
وتختلف القضية الفرنسية عن واقعة اجتماع «الأحرار» من حيث وسيلة الحصول على المعلومات. ففي «ماكرون ليكس» تعلق الأمر ببيانات حملة انتخابية تم الاستيلاء عليها عن طريق اختراق معلوماتي، بينما تتعلق الواقعة المغربية، بحسب المعطيات المتاحة، بتسجيل صوتي من داخل اجتماع حزبي مغلق، دون أن تعرف بعد بصورة رسمية وسيلة التسجيل أو هوية من قام به.
ومع ذلك، تلتقي الواقعتان في ثلاثة عناصر: استعمال مادة داخلية غير موجهة إلى الجمهور، والتوقيت الانتخابي الحساس، وإمكانية توظيف التسريب للتأثير في صورة حزب أو مرشح وفي توجهات الناخبين.
وتظهر التجربة الفرنسية أن حماية الانتخابات من التسريبات الرقمية لا تتحقق فقط بالعقاب اللاحق، وإنما كذلك بسرعة تدخل المؤسسات، والتحذير من إعادة النشر، والتحقق من الوثائق، ومنع استغلال الصمت الانتخابي لإطلاق اتهامات لا يستطيع الطرف المستهدف الرد عليها في الوقت المناسب.
تاسعا: التسريب الانتخابي بين كشف الحقيقة وصناعة التأثير
لا تحمل التسريبات السياسية قيمة واحدة فقد يكشف بعضها فسادا أو تدخلا غير مشروع أو وقائع يتعين على السلطات التحقيقفيها. وقد يكون بعضها الآخر جزءا من صراع داخلي أو عملية اجتزاء أو تضليل تستهدف التأثير في الناخبين.
والمشكلة لا تكمن فقط في صحة التسجيل، بل في السياق الذي يوضع فيه. فقد تكون العبارات صحيحة من الناحية الصوتية، لكنها تقدم منفصلة عما سبقها أو تلاها، فتنتج لدى الجمهور معنى مغايرا. وقد ترفق بتعليقات أو عناوين تقود المتلقي إلى استنتاجات لا يتضمنها التسجيل نفسه.
كما قد يختار توقيت النشر بعناية، بحيث تظهر المادة في مرحلة لا تسمح بالتحقق الهادئ أو الرد المتوازن. وهنا يتحول التسريب من مجرد كشف للمعلومة إلى أداة لهندسة النقاش العمومي والتأثير في الإرادة الانتخابية.
ولذلك تحتاج التشريعات الانتخابية إلى معالجة أكثر وضوحا للتسريبات الرقمية التي تقع خلال الحملات وفترة الصمت الانتخابي، مع التمييز بين الصحافة الاستقصائية ذات المصلحة العامة، والاختراق أو التسجيل السري، وحملات التضليل القائمة على الوثائق المسروقة أو المقاطع المركبة.
خاتمة: لا حصانة للمضمون ولا إباحة للتسريب
إن تسريب جزء من اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار يضعنا أمام معادلة قانونية وسياسية دقيقة، فمن جهة لا يجوز اعتبار الاجتماعات الحزبية خارجة عن القانون أو محصنة من المساءلة، خصوصا إذا ظهرت معطيات جدية بشأن ممارسات قد تمس بنزاهة الانتخابات. ومن جهة أخرى، لا يجوز تحويل أهمية الشأن السياسي إلى مبرر لتسجيل كل نقاش مغلق وتسريبه ونشره دون ضوابط.
المسار السليم يبدأ بتحديد الملف الأصلي، وإجراء خبرة تقنية، ومعرفة كيفية التسجيل وهوية من قام به، ثم التمييز بين من سجل ومن سرّب ومن أعاد النشر. وبعد ذلك ينبغي فحص الوقائع الواردة في المضمون بصورة مستقلة، بدل افتراض صحتها أو بطلانها لمجرد أنها وردت في تسجيل مسرب.
ولا ينبغي أن يتحول التهديد بالمتابعة إلى وسيلة لإغلاق النقاش العام، كما لا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى غطاء للاختراق والتجسس والتشهير والتأثير غير المشروع في الانتخابات.
إن الدولة الديمقراطية مطالبة بحماية حق المواطنين في المعرفة، لكنها مطالبة كذلك بحماية سرية المراسلات والاجتماعات الخاصة وقرينة البراءة وسلامة العملية الانتخابية. وليس الحل في التضحية بحق لفائدة حق آخر، وإنما في بناء توازن دقيق يميز بين كشف الوقائع ذات المصلحة العامة وبين صناعة التسريبات لأغراض التشهير أو التضليل الانتخابي.
وإلى حين ظهور خبرة رسمية أو تحقيق قضائي أو حكم نهائي، تظل المسؤولية الجنائية في واقعة تسريب اجتماع «الأحرار» احتمالا قانونيا يحتاج إلى الإثبات، لا حقيقة يجوز الجزم بها. أما الاتهامات الواردة داخل التسجيل فتبقى بدورها ادعاءات سياسية لا تتحول إلى وقائع ثابتة إلا من خلال تحقيق مستقل وأدلة قابلة للمناقشة أمام القضاء.
جهات
ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية
في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...
«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم
مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...
عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح
ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...
أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر
بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...
جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية
أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...












