سلطة “الْكَمَنْجَةْ” تتاجر في التراث وتحول “التّْبَوْرِيدَةْ” و “الَعَيْطَةْ” إلى سلع موسمية ومهرجانية

10:40

 

بقلم : أحمد فردوس

سنحاول من خلال هذه الورقة تفكيك ظاهرة تسطيح التراث الشعبي والمس بقيمته الفنية والإبداعية، فضلا عن تسليعه في المهرجانات والمواسم الصيفية التي تابع “زلاّتها” المتلقي على مواقع التواصل الاجتماعي. هي قراءة نقدية لأبعاد هذه الظاهرة الفنية المبتذلة، وتحليلها من خلال محاور اجتماعية وفنية وتراثية، تكشف أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في تراجع الذائقة الموسيقية، بل في تجريف الهوية الثقافية وتفريغ التراث اللامادي من بعده التاريخي والاجتماعي، لصالح صناعة ترفيهية تجارية تعيد إنتاج الجهل والسطحية.

تأسيساً على ذلك، لا نقبل من أي فنان شعبي ـ كَبُرَ أم صَغُرَ شأنه ـ أن يقدم أغاني سطحية وكلاما ساقطا، ويؤثث منصة العرض براقصات يتاجر بأجسادهن، وفي الوقت نفسه يتقمص دور فارس مغوار يمتطي صهوة حصان “التّْبَوْرِيدَةْ”، استعدادا لتقديم عروضه الفنية المبتذلة على منصات المهرجانات والمواسم. إنه سلوك يسيء للهوية، ويحرّف ويشوه الدلالي والرمزي، ومساسٌ خطير بعمق الرسائل التاريخية والتراثية والفنية.

إن تقديم أغانٍ شعبية من طرف أشباه فنانين يلهثون وراء الربح السريع، ويتهافتون على المهرجانات بتعاقدات مالية خيالية، على إيقاع جسد المرأة/الراقصة وحركاتها الفاضحة من قبيل “هَزْ يَوَزْ” و “زِيدْ دَرْدَكْ عَاوَدْ دَرْدَكْ”، يغتال قيمة موروثنا التراثي الغنائي الشعبي.

فهل يعقل أن يقدم “الفنان” أغنية ساقطة مثل “الزِّينْ أُو لَطَايْ”، وأخرى في موضوع البحث عن “الفردوس المفقود” في الضفة الأخرى مثل “اعْطِينِي الْفِيزَا وَالْبَّاسْبُّورْ”، وهو يحاكي فرسان “التّْبَوْرِيدَةْ” أثناء امتطائه صهوة الحصان باتجاه منصة العرض؟ وهل يعقل أن يقوم “فنان” آخر بتقديم أغانيه وهو يتدثر رفقة أعضاء فرقته بلباس فرسان التبوريدة؟ من سمح لهم باقتراف هذا الخطأ؟

إنه العبث بخصوصية التراث اللامادي بـ “تاريخه، وقاره، قدسيته، شهامته، ونبله…”. رجاء كفى من العبث، فلا تجعلوا من التراث سُلَّما للإرتقاء والاغتناء الفاحش، وحصد المشاهدات، وتحقيق “الْبُوزْ”، وإبهار البسطاء. إنكم تسطون على هوية شعب، وتدمرون قيمه النبيلة، التاريخية والاجتماعية والتراثية والفنية.

الغريب أن “الفنان” السطحي، حين اكتسب الشهرة والشعبية في الأوساط الاجتماعية الهشة بالنظر للأمية والجهل المركب، أصبح يقرر في القطيع الذي يتبعه ويتحكم في مصيره بواسطة “الْكَمَنْجَةْ” والكلام السوقي. بل إنه استطاع، في ظل هذه الأزمة المعرفية والاجتماعية، أن يتحول إلى “أكاديمي” تستقبله العشرات من الميكروفونات في “المؤتمرات الصحفية”. يقول ما يحلو له، ويمرر المغالطات والأخطاء وكأنه خبير فني تراثي و”نجم” شعبي يقيم الإبداع ويراقب المنتوج الفني.

إن “الفنان” الشعبي الذي ينتهك ويدنس “المقدس” التراثي، ويوظف رموز ودلالات “رْكُوبْ الْخَيْلْ” النبيلة والتاريخية كقناع شكلي لتغطية رداءة المضمون وسطحيته، فإنه ببساطة يوظف بغير وجه حق علامات وعناوين ذات صلة بالفروسية التقليدية (من زي ولباس تقليدي خاص بميدان التبوريدة)، ويستغلها في لحظة لا تمت بصلة للعرض الفني وحمولته الغنائية السطحية.

هذا التوظيف والاستغلال لرموز التبوريدة مثل: (لَعْمَامَةْ، الجَلَّابَةْ، الْبَلْغَةْ، لَحْرَافَاتْ، الْخَنْجَرْ، السَّكِينْ، ودَلِيلْ الْخَيْرَاتْ…) يسيء للتراث اللامادي، على اعتبار أن أداء أغانٍ ذات محتوى رديء وهابط يُفرغ دون وعي هذه الرموز التراثية من شحنتها التاريخية والأخلاقية والجمالية.

في مقابل ذلك، هل يُعقل لشيوخ فن العيطة “الحصباوية” أو “المرساوية” أو “الحوزية” التخلي عن خصوصية لباسهم وزيهم التقليدي الأصيل المرتبط بالهوية الوطنية، وتعويضه بلباس غريب عن بيئتهم الحاضنة التي تأثروا بها منذ القدم؟ وهل يمكن لهم التفريط في خصوصية آلاتهم الوترية والإيقاعية وطريقة عزفهم وأدائهم الموسيقي والغنائي، سواء وقوفا أو جلوسا حسب الأنماط المعلومة؟

في تقديرنا، فإن هذا الموروث الشعبي اللامادي ليس مجرد غناء، بل هو نظام صارم يفرض اللباس التقليدي، وطريقة جلوس أفراد مجموعة شيخات وشيوخ العيطة، إلى جانب الانضباط لتراتبية العازفين واصطفاف ممارسي الإيقاع دون المساس بوقار الوقوف وهيبته. لكن تحويل هذه الأشكال إلى حركة عشوائية صاخبة ووضع أقنعة غير مناسبة، يُفقد العرض قيمته الأنثروبولوجية حين تتلاشى طقوس صناعة الفرجة.

إن أغلب السهرات الشعبية في المواسم والمهرجانات الصيفية اشتغل فيها بعض الفنانين الشعبيين ـ مع سبق الإصرار والترصد ـ على دغدغة العواطف، وتوظيف الهشاشة واستغلالها من أجل تسليع الجسد لغرض الربح السريع، بالاعتماد على “المرأة/الراقصة” والاستثمار في الحركة الغرائزية كبديل عن جودة النص الشعري الغنائي والعمق الموسيقي، لتحقيق “الْبُوزْ” وجني المزيد من العقود المالية الخيالية.

لن نجامل أحدا إن أكدنا أن إقبال الجمهور الغفير قد تحقق بفضل تهافت الفئات الاجتماعية الهشة معرفيا وتوجيهها عبر إيقاعات ترفيهية استهلاكية كنوع من التنفيس المؤقت، مما حول المتلقي إلى قطيع منقاد وراء صخب وضجيج “حُكْ جُرْ” والكلمة السوقية.

في سياق متصل، سجل مراقبون ومتتبعون كيف ارتفعت أسهم الأمية والجهل في صيف المهرجانات والمواسم حين انقلبت الموازين المعرفية، حيث تمت صناعة الخبير و “النجم” الشعبي المزيف بعدما تم استبدال لمسة الأكاديمي بما هو سطحي، ونال هؤلاء المغنون شرعية إعلامية عبر مؤتمرات صحفية باهتة حولت “المغني المبتذل” إلى سلطة معرفية تحلل التراث وتتحدث عن الفن رغم افتقاره لأبجديات هذا الموروث الثقافي الشعبي الأصيل.

إن غياب رقابة المؤسسات الثقافية والإعلامية والتواصلية أدى للأسف إلى غياب التأطير الفني والنقدي الحقيقي، مما فسح المجال لحالة من “السيبة” والتسيب، حيث أصبح للربح المادي وصفقات الشركات المنظمة الكلمة الأولى في تشكيل المشهد التراثي والثقافي. فمن معلوم أن “الشجرة التي يحرسها الأسد لن تتسلق أغصانها القردة”. وهكذا هو التراث اللامادي الذي تحرسه المؤسسات وتصونه الضمائر الحية عن العبث، فلا يمكن أن يمسه الانتهازيون، ولن يدنسه المتطفلون.

Promo
مجلة كنز المعرفة

«كنز المعرفة».. «كنز نيوز» تُطلق ملحقها التربوي الرقمي

أطلقت جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عددها التأسيسي من الملحق التربوي ...

إعلان مميز

جهات

3:17

ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية

في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...

News text

1:33

«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم

مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...

News text

12:56

عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح

ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...

News text

10:58

أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر

بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...

News text

9:59

جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية

أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...

News text
Promo
الرئيسية

«كنز المعرفة».. «كنز نيوز» تُطلق ملحقها التربوي الرقمي

أطلقت جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عددها التأسيسي من الملحق التربوي «كنز المعرفة»، لتُضيف بذلك إلى فضائها الإعلامي منبرًا متخصّصًا في الشأن التربوي والتعليمي، يجعل من التلميذ والأسرة التعليمية محورَ اهتمامه....

كلام من ذهب

Author
هل في إطار السير نحو التنمية المستدامة : سنحيد القبيلة أم لا:

✍️:الدولة بيروكي نثير موضوع القبلية ليس فقط لكونها مؤثرا على الوحدة بالرغم من أهميتها، إلا أنه بات من الضروري ربط تأثيرها على تماسك المجتمع الصحراوي، والأثر الكبير الذي يتركه التعصب...

Author
أشرف لكنيزي
«غرين غوست» تُسائل مآل المشروع الرياضي لأولمبيك خريبكة: «فمتى إلى الأمجاد سنعود؟»

أشرف لكنيزي رفع فصيل «ألتراس غرين غوست»، المساند لنادي أولمبيك خريبكة، ثلاث رسائل لافتة في مدرجات ملعب الفوسفاط خلال مباراة فريقه أمام شباب أطلس خنيفرة، مساء السبت 3 أكتوبر 2026،...

Author
محمد نشاط — محامٍ دكتور في الحقوق
انتهى الاقتراع… لكن ماذا بعد إعلان النتائج؟

✍️: محمد نشاط — محامٍ دكتور في الحقوق لم تنته السياسة بانتهاء الاقتراع، كما أن الانتخابات لا تختزل في يوم التصويت ولا في إعلان النتائج، فذلك اليوم، في الحقيقة، ليس...

Author
الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة 
أهمية العمل الجمعوي: دراسة تحليليّة شاملة حول المفهوم، التطور التاريخي، الأهداف والواقع بالمغرب

بقلم: الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة  مقدمة يُعتبر العمل الجمعوي أحد الركائز الأساسية للمجتمع، ومحركاً مهماً من محركات المجتمع المدني، كما تشكل الجمعية إطاراً تنظيمياً يستطيع من خلاله الإنسان...