قراءة في مستجدات جرائم الشيك على ضوء القانون رقم 71.24 المعدل والمتمم لمدونة التجارة

بقلم الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة
يعتبر الشيك في التشريع المغربي ورقة تجارية وأداة وفاء تقوم مقام النقود، وليس أداة ائتمان أو ضمان، إذ يكون مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع. وقد نظم المشرع المغربي أحكام الشيك في الباب الأول من القسم الثالث من مدونة التجارة، ابتداءً من المادة 239 وما يليها.
وقد اتسم الإطار القانوني السابق، في شقه المتعلق بجرائم الشيك، بصرامة زجرية واضحة؛ حيث كانت المادة 316 من مدونة التجارة تعاقب على إصدار شيك بدون مؤونة بعقوبة سالبة للحرية تتراوح بين سنة وخمس سنوات، إضافة إلى غرامة مالية تصل إلى 25% من قيمة الشيك. كما كانت المتابعة الجنائية تثار بمجرد تقديم الشيك وإثبات عدم وجود المؤونة، دون إفساح المجال، بالقدر الكافي، أمام الساحب لتسوية وضعيته المالية قبل تحريك المتابعة.
وقد أفرز هذا النظام أزمات وإشكالات عملية متعددة، من أبرزها:
أ ـ ارتفاع معدلات الاعتقال: وما ترتب عنه من تزايد قضايا الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية بسبب جرائم الشيك.
ب ـ الانحراف عن الوظيفة القانونية للشيك: من خلال التوسع في استخدامه كأداة للضمان، خلافاً للغرض القانوني الذي أُنشئ من أجله.
ج ـ الآثار الاقتصادية السلبية: نتيجة تأثر النشاط الاقتصادي واستمرارية المقاولات بسبب اللجوء الفوري إلى الاعتقال في مواجهة التجار والفاعلين الاقتصاديين.
وأمام هذه التحديات، تدخل المشرع المغربي بموجب القانون رقم 71.24، لإقرار آليات قانونية جديدة ترمي إلى الانتقال من الفلسفة الزجرية المتشددة إلى مقاربة أكثر تصالحية ومرونة.
وتهدف هذه المقاربة الجديدة إلى ضمان حماية حقوق الدائنين والتأكيد على استيفاء ديونهم، مع تشجيع الوفاء والحفاظ على الدورة الاقتصادية واستمرارية المقاولة، بما يعكس تحولاً مهماً في معالم السياسة الجنائية المتعلقة بجرائم الشيك.
وقد انصبت أبرز مستجدات هذا القانون على مراجعة أحكام التجريم، وتعديل العقوبات الجنائية، فضلاً عن تطوير مساطر تحريك الدعوى العمومية وتقييدها بشروط وتدابير جديدة تتيح فرصاً أوسع للتسوية.
أولاً: على مستوى العقوبات
نصت المادة 318 من مدونة التجارة الجديدة على عقوبة حبسية مخففة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين، وغرامة من 5.000 إلى 20.000 درهم، في حق ساحب الشيك الذي أغفل الحفاظ على المؤونة أو تكوينها، أو الذي قام بتقديم تعرض بصفة غير صحيحة لدى المسحوب عليه.
وذلك بعدما كانت العقوبة، في ظل القانون السابق، تتراوح بين سنة وخمس سنوات حبسا، وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم، على ألا تقل قيمة الغرامة عن 25% من مبلغ الشيك.
أما فيما يتعلق بقبول الشيك على سبيل الضمان، فقد اتجه المشرع إلى الاقتصار على العقوبة المالية، بدل العقوبة الحبسية، وحدد الغرامة في نسبة 2% من قيمة الشيك.
وفيما يخص تزوير الشيك، أو قبول شيك مزور مع العلم بتزويره، أو تظهيره أو ضمانه ضماناً احتياطياً، أو استعماله أو محاولة استعماله، فقد أبقى المشرع على العقوبة المقررة سابقاً، والمتمثلة في الحبس من سنة إلى خمس سنوات.
هذا، وقد شدد المشرع العقوبة، وفقاً للمادة 318 من مدونة التجارة، في حق الشخص الذي يصدر شيكات رغم الأمر الموجه إليه من طرف المؤسسة البنكية بإرجاع شيكاته لعدم توفر المؤونة، في إطار المادة 313 من مدونة التجارة، أو رغم خرقه للمنع القضائي من إصدار الشيكات، الذي تقرره المحكمة بعد الإدانة، في إطار المادتين 316 و317 من مدونة التجارة.
وفي هذه الحالة، أصبحت العقوبة الحبسية تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين، إضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 5.000 و20.000 درهم.
ثانياً: على مستوى تحريك الدعوى العمومية
من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 71.24، عدم ترتيب المتابعة الجنائية بصورة تلقائية بمجرد تقديم شكاية إصدار شيك دون مؤونة، حيث أصبح النظام الجديد يتيح للساحب فرصة لتسوية وضعيته المالية قبل تحريك الدعوى العمومية، وفق الشروط والآجال التي حددها القانون.
وفي هذا الإطار، يتم توجيه إعذار إلى الساحب ومنحه مهلة 30 يوماً لتسوية وضعيته المالية، وهي مهلة يمكن تمديدها لمدة 30 يوماً إضافية بموافقة المستفيد.
كما أتاح المشرع إمكانية إخضاع الساحب لتدبير المراقبة القضائية باستعمال السوار الإلكتروني، بما يسمح له، في الحالات التي تتوفر فيها شروط ذلك، بمواصلة حركته ونشاطه وتدبير السيولة المالية الكفيلة بأداء المبالغ المتخلدة في ذمته.
ويجسد هذا التوجه رغبة المشرع في الانتقال من مقاربة زجرية عقابية صرفة إلى مقاربة تصالحية، باعتبار أن الهدف الأسمى من معالجة جرائم الشيك لا ينبغي أن يقتصر على سلب الحرية، وإنما يتعين أن ينصرف، بالدرجة الأولى، إلى ضمان الوفاء بالدين واسترجاع الحقوق.
ثالثاً: على مستوى سقوط الدعوى العمومية وآثار الأداء
جاء المشرع بمقتضى جديد في المادة 325 من مدونة التجارة، يقضي بعدم تحريك الدعوى العمومية أو سقوطها عند أداء مبلغ الشيك، أو النقص الحاصل في مؤونته، بالإضافة إلى أداء غرامة مالية محددة في 2% من مبلغ الشيك أو من قيمة الخصاص في المؤونة، وفق الحالات التي حددها القانون.
أما إذا وقع الأداء أو التنازل عن الشكاية بعد صدور حكم نهائي غير قابل للطعن، فإن ذلك يضع حداً لتنفيذ العقوبة السالبة للحرية، شريطة أداء الغرامة المذكورة، والمحددة في 2%.
ولا يجوز الرجوع في التنازل أو الصلح إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الطعن.
ويشكل هذا المقتضى تحولاً مهماً في فلسفة التجريم والعقاب، إذ جعل المشرع من أداء قيمة الشيك وتسوية الوضعية المالية للساحب آلية أساسية لإنهاء الآثار الجنائية للجريمة في الحدود والشروط التي رسمها القانون.
رابعاً: على مستوى إلغاء التجريم داخل نطاق الأسرة
ومن المستجدات اللافتة التي جاء بها القانون الجديد، إلغاء تجريم إصدار الشيك بدون مؤونة داخل نطاق الأسرة، عندما يتعلق الأمر بالأزواج والأصول والفروع من الدرجة الأولى، مع الحفاظ على الحق في المطالبة المدنية للطرف المتضرر، وذلك وفقاً للمقتضيات الواردة في الفقرة الرابعة من المادة 325 من مدونة التجارة.
ويسري هذا الحكم بالنسبة إلى الأزواج أيضاً خلال فترة الأربع سنوات الموالية لانحلال ميثاق الزوجية.
ويهدف هذا التوجه إلى تحصين العلاقات الأسرية من التدخل الجنائي، مع الإبقاء على إمكانية اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة بالحقوق المالية المترتبة عن الشيك.
ختاما تُبرز هذه المستجدات التحول الذي عرفته السياسة التشريعية المغربية في مجال جرائم الشيك، من خلال الانتقال التدريجي من مقاربة زجرية تقوم أساساً على العقوبة السالبة للحرية، إلى مقاربة أكثر مرونة وتصالحية، تجعل من الوفاء وتسوية الوضعية المالية للساحب محوراً أساسياً في معالجة هذه الجرائم.
كما يتضح أن المشرع أصبح أكثر ميلاً إلى الحد من العقوبات الحبسية، وتعزيز البدائل المالية والإجراءات البنكية والقضائية، كالغرامات والمنع من إصدار الشيكات، مع إعطاء الأولوية لإمكانية تدارك الأداء وتسوية النزاع قبل ترتيب الآثار الجنائية.
ومن ثم، فإن القانون رقم 71.24 لا يمثل مجرد تعديل لبعض المقتضيات المتعلقة بالشيك، وإنما يعكس توجهاً تشريعياً جديداً يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حماية الائتمان والثقة في الشيك من جهة، وحماية الحرية الشخصية واستمرارية النشاط الاقتصادي والمقاولة من جهة أخرى.
جهات
ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية
في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...
«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم
مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...
عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح
ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...
أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر
بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...
جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية
أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...












