الترحال السياسي بين هشاشة التعاقد الحزبي ومحدودية التنظيم القانوني

11:08

✍️: عبدالرحمان الداكي دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

بداية تجدر الإشارة إلى أن “ظاهرة الترحال”، بمعنى الانتقال من حزب إلى آخر، أو من فريق إلى آخر، أو من تحالف إلى آخر (معارضة/ حكومة)، ليست بالظاهرة الجديدة بالمغرب، فقد لازمت ورافقت هذه الممارسة الحياة السياسية منذ أول انتخابات تشريعية عرفها المغرب سنة 1963، وامتدت واستمرت عبر مختلف المحطات الانتخابية التي عرفتها بلادنا، سواء تعلق الأمر بالانتخابات التشريعية أو الجماعية أو المهنية قبل أن يتم منعها بصريح العبارة حسب الفصل 61 من دستور 2011.

لقد عاشت الحياة البرلمانية المغربية مع هذا السلوك المنافي لأخلاقيات العمل السياسي بصفة عامة، والعمل البرلماني بصفة خاصة مدة طويلة، حتى أصبحت هذه الظاهرة بكل ما تحمله من سلبيات، أحد المظاهر السلبية للعمل السياسي في المغرب. وما زالت أسباب هذه الظاهرة غير مبررة لسلوك السياسيين، فانتقال النائب أو المستشار من فريق إلى آخر داخل مؤسسة البرلمان أو من حزب الى آخر لا يمكن استيعابها بسهولة من قبل الناخب الذي منح النائب صوته على خلفية انتمائه الى حزب معين، أو لكونه صاحب برنامج معين. 

وظاهرة «البرلمانيين الرحل» تبقى ظاهرة عالمية مست جميع برلمانات العالم. ظهرت في برلمان بريطانيا في عهد تشرشل، كما عرفتها الهند سنة 1958 وعرفتها دول أخرى.

وهذه الظاهرة، بما تعنيه من تغيير الانتماء السياسي، وبالتالي تغيير القناعات والاختيارات، تؤثر بشكل أو بآخر على السير العادي للمؤسستين الدستوريتين الحكومة والبرلمان، حيث يكون عدد أعضاء كل من الأغلبية والمعارضة غير قار وغير ثابت، مما يفتح المجال أمام كل الاحتمالات.


إن الدستور المغربي يعتبر النائب البرلماني نائبا للأمة، وعلى مستوى الممارسة، فإن ما يمكن ملاحظته من خلال مختلف الولايات النيابية التي عرفها المغرب منذ سنة 1965 قبل مجيء دستور 2011 وقد سبق أن اقترح فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب خلال مناقشة قانون الأحزاب، أن تترتب جزاءات وإجراءات ردعية عن ممارسة الترحال، وطالبوا بأن يُعفى البرلماني الذي يغير هيأته السياسية من عضوية البرلمان ويأتي مكانه الذي يليه في اللائحة. ولم يقبل ذلك التعديل.
وعندما برزت حالات الترحال من قبل البرلمانيين أثناء إعداد انتخابات 2009 طالبوا بأن تحرك النيابة العامة المتابعات ضد المخالفين للمادة 5 من قانون الأحزاب، حتى يعاقب المخالفون على الأقل بالغرامة التي ينص عليها القانون، لكن ذلك لم يحدث.

وقد كان أكبر وأخطر مظاهر ممارسة تغيير الفريق والانتماء السياسي، ما عرفه البرلمان مباشرة بعد انتخابات 14 نونبر و5 دجنبر1997، حيث أصبح سلوك «الترحال السياسي» ظاهرة لافتة للانتباه تجاوزت 102 حالة خلال مدة زمنية قصيرة.

وقد احتل فريق الحركة الديمقراطية الاجتماعية مقدمة الأحزاب التي عرفت ترحالا جماعيا، إذ وصلت نسبة الترحال داخل هذا الفريق خلال الدورة الخريفية للولاية التشريعية لسنة 1997، 64.51% وهذه نسبة تطرح اكثر من سؤال. أما الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية فقد عرف هذه الظاهرة بنسبة 6.25%. والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بنسبة 1.81%، وجبهة القوى الديمقراطية بنسبة 44.44%، والعدالة والتنمية بنسبة 40 في المائة.

نفس الشيء تكرر في  انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين في 15 شتنبر 2000، التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط السياسية، خاصة بعد خطاب الملك الراحل الحسن الثاني عند افتتاح الدورة الأولى للبرلمان في 26 دجنبر 1997، وخطاب افتتاح جلالة الملك محمد السادس لدورة أكتوبر 2000. وقد كان من نتائج عدم الامتثال لتوجيهات جلالة الملكين، وتغيير الانتماءات السياسية، تدحرج بعض الفرق البرلمانية في رتبها بسبب تغيير عدد من نوابها لانتمائهم السياسي، وتأجيل انتخاب مكتب مجلس النواب ومجلس المستشارين. وبسبب تفشي هذه الظاهرة، فقدت العديد من الفرق البرلمانية، منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية في نهاية 1997 بشوطيها إلى أكتوبر 1999، الكثير من النواب والمستشارين. ونتيجة لذلك، تراجع عدد أعضاء بعض الفرق وارتفع عدد أعضاء بعض الفرق الأخرى إلى مراتب لا تتناسب مع تلك التي خولتها لها نتائج الانتخابا. 

ورغم استمرار منطق الاحتجاج والاستنكار لعملية الترحال السياسي من طرف كل الفاعلين والمهتمين بالشأن السياسي، ورغم صدور قانون الأحزاب سنة 2006، فإنه لم يمنع سيناريو الانتقالات، إذ مباشرة بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2007 وإلى حدود منتصف هذه الولاية التشريعية التامنة قام 111 نائبا برلمانيا، أي رُبع عدد النواب البرلمانيين، قاموا بتغيير انتمائهم السياسي خلال 30 شهرا الماضية فقط، فيما لم يكتف بعضهم بتغيير هذا الانتماء مرة واحدة خلال الولاية التامنة بل إن منهم من قام بذلك ثلاث مرات، ليكون عدد عمليات الترحال السياسي التي تمت خلال سنتين ونصف هو 111 عملية. تلك أبرز خلاصات تحقيق توثيقي قامت به جريدة «لافي إيكو» في أواخر سنة 2010. وأبرز الأحزاب السياسية التي استفادت من عمليات الترحال السياسي هو الأصالة والمعاصرة، حيث أصبح فريقه النيابي يضم 55 نائبا فيما لم يدخل الانتخابات التشريعية لسنة2007 أصلا. ويأتي الـ “بام” متبوعا بكل من حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. في حين كان أكبر الخاسرين هي أحزاب الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية وجبهة القوى الديمقراطية.
إن فوضى الترحال السياسي هذه غيرت جل موازين القوى التي نتجت عن الانتخابات التشريعية لسنة 2007، وجعلت حزب الاستقلال الذي خرج منها في المرتبة الأولى يتدحرج إلى المرتبة الثانية خلف حزب الأصالة والمعاصرة الذي تم تأسيسه في سنة وأربعة أشهر، فيما اضطرت عدد من الأحزاب الصغيرة والمتوسطة إلى التكتل وجمع نوابها البرلمانيين من أجل تشكيل فريق برلماني بعدما أنهكها نزيف رحيل البرلمانيين، وأصبحت أربعة أحزاب أخرى خارج البرلمان.
ورغم أن حزب الأصالة والمعاصرة تأسس بناء على اندماج خمسة أحزاب، إلا أنه استمد نوابه البرلمانيين أيضا من 11 حزبا آخر. وهم يتوزعون أساسا على الأحزاب اليمينية التي احتلت مراتب متأخرة في انتخابات 2007. وتقدم تلك الأحزاب التي استمد منها ال”بام” نوابه حزبا الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، فيما لم يسلم حزبا الكتلة الديمقراطية الكبيرين من هذا النزيف، حيث فقد حزب الاستقلال نائبين برلمانيين، كما فقد الاتحاد الاشتراكي في الأخير النائب عبد العزيز العمري الذي قدم إليه من حزب الاستقلال.


لكن حزبا الكتلة ظلا محظوظين مقارنة مع أحزاب أخرى، أبرزها حزب الحركة الشعبية، الذي فقد خلال الشهور الخمسة الأولى من  سنة 2010 فقط ثمانية برلمانيين لفائدة الأصالة والمعاصرة، كانوا ضمن 22 نائبا برلمانيا انضموا إلى الحزب الجديد في حين كان نصيب حزب الاتحاد الدستوري في ذات المدة فقدان ستة نواب برلمانيين. ولم يكن ال»بام» المستفيد الوحيد من هذا النزيف البرلماني، بل إن حزب التجمع الوطني للأحرار استفاد بدوره حيث استقطب تسعة نواب برلمانيين إلى فريقه، قدموا أساسا من حزبي التقدم والاشتراكية وجبهة القوى الديمقراطية. مقابل فقدان حزب التجمع الوطني للأحرار لثلاثة من برلمانييه لفائدة حزب الأصالة والمعاصرة، كما لم ينس حزب الاستقلال نصيبه من هذا الترحال، واستقطب أربعة نواب برلمانيين، قادمين من كل من الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري وتحالف اليسار. ليصبح عدد برلمانييه 54 نائبا، بفارق نائب واحد عن فريق الأصالة والمعاصر.

على سبيل الختم :

لقد أدى تعدد ترحال النواب الى طرح السؤال حول الأسباب. وحسب الباحثين، فإن هيكلة الأحزاب السياسية في المغرب تبقى السبب الرئيسي وراء تفاقم ظاهرة الترحال السياسي. فكون هذه الأحزاب تتساهل في إعطاء تزكية الترشيح لشخص يفتقد الى كل معايير الالتزام والمصداقية التي يتطلبها العمل البرلماني، وكون حافزها الوحيد هو الحصول على أكبر عدد من المقاعد داخل قبة البرلمان حتى تتمكن من تكوين فريق بأعضاء كثر يضمن لها الإبقاء على الامتيازات الإدارية والمالية التي يستفيد منها كل فريق، ضاربة بعرض الحائط منظومتها الفكرية والثقة التي وضعها فيها الناخب. إضافة إلى افتقاد الأحزاب السياسية إلى بنية تحتية أثناء ممارستها للعمل السياسي، الذي يتطلب العمل المشترك بين المثقف السياسي ورجل السياسة، إذ ثمة فارق بين عملية اتخاذ القرار وصنع القرار التي هي من اختصاص المثقف السياسي الذي يختص بالمسوح الميدانية وتحديد نسبة إخفاق كل قرار ونجاحه ومن ثم عرضه على رجل السياسة ليأخذ القرار المناسب.

السبب الثاني وراء تفاقم هذه الظاهرة يتجلى في طبيعة الثقافة الانتخابية التي تسود في المغرب، إذ أن المواطن المغربي يدرك أن الانتخاب ليس مسؤولية وتكليفاً وإنما تشريفا، وهذا يدفع البرلماني بالمقابل إلى عدم الاكتراث بالإخلال بالتزامه نحو الناخب حتى ولو غير لونه السياسي. وبذلك تكون المصلحة الذاتية الشخصية هي أساس وجود هذه الظاهرة.

 

Promo
مجلة كنز المعرفة

«كنز المعرفة».. «كنز نيوز» تُطلق ملحقها التربوي الرقمي

أطلقت جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عددها التأسيسي من الملحق التربوي ...

إعلان مميز

جهات

3:17

ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية

في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...

News text

1:33

«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم

مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...

News text

12:56

عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح

ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...

News text

10:58

أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر

بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...

News text

9:59

جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية

أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...

News text
Promo
الرئيسية

«كنز المعرفة».. «كنز نيوز» تُطلق ملحقها التربوي الرقمي

أطلقت جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عددها التأسيسي من الملحق التربوي «كنز المعرفة»، لتُضيف بذلك إلى فضائها الإعلامي منبرًا متخصّصًا في الشأن التربوي والتعليمي، يجعل من التلميذ والأسرة التعليمية محورَ اهتمامه....

كلام من ذهب

Author
هل في إطار السير نحو التنمية المستدامة : سنحيد القبيلة أم لا:

✍️:الدولة بيروكي نثير موضوع القبلية ليس فقط لكونها مؤثرا على الوحدة بالرغم من أهميتها، إلا أنه بات من الضروري ربط تأثيرها على تماسك المجتمع الصحراوي، والأثر الكبير الذي يتركه التعصب...

Author
أشرف لكنيزي
«غرين غوست» تُسائل مآل المشروع الرياضي لأولمبيك خريبكة: «فمتى إلى الأمجاد سنعود؟»

أشرف لكنيزي رفع فصيل «ألتراس غرين غوست»، المساند لنادي أولمبيك خريبكة، ثلاث رسائل لافتة في مدرجات ملعب الفوسفاط خلال مباراة فريقه أمام شباب أطلس خنيفرة، مساء السبت 3 أكتوبر 2026،...

Author
محمد نشاط — محامٍ دكتور في الحقوق
انتهى الاقتراع… لكن ماذا بعد إعلان النتائج؟

✍️: محمد نشاط — محامٍ دكتور في الحقوق لم تنته السياسة بانتهاء الاقتراع، كما أن الانتخابات لا تختزل في يوم التصويت ولا في إعلان النتائج، فذلك اليوم، في الحقيقة، ليس...

Author
الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة 
أهمية العمل الجمعوي: دراسة تحليليّة شاملة حول المفهوم، التطور التاريخي، الأهداف والواقع بالمغرب

بقلم: الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة  مقدمة يُعتبر العمل الجمعوي أحد الركائز الأساسية للمجتمع، ومحركاً مهماً من محركات المجتمع المدني، كما تشكل الجمعية إطاراً تنظيمياً يستطيع من خلاله الإنسان...