أمية النبي صلى الله عليه وسلم بين النفي والإثبات

بقلم: فاطمة الزهراء المغاري باحثة بسلك الدكتوراه
اتفق علماء المسلمين على أمية النبي صلى الله عليه وسلم و ما شذ منهم إلا الامام الباجي والمستشرقون في هذا العصر ومن تبعهم من الحداثيين والتنويريين ، فإنهم ينكرون ما استفاضت شهرته من إثبات أمية النبي صلى الله عليه وسلم ،رغم وجود نصوص الوحي الصريحة قرآنا وسنة، حيث عمدوا إلى تأويل النصوص واستنباط ما لا يدل عليه النص الشرعي لا بمنطوقه ولا بمفهومه، بل والاستدلال بأحاديث ضعيفة وموضوعة لنفي أمية النبي صلى الله عليه وسلم.
تجدر الإشارة إلى أن أمية النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبتت بالقرآن والسنة ، وانتفت عنه صفة الجهل ، لقد كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة لكنه كان على معرفة وعلم ودراية ، لأنه لا يحتاج لوسيلة القراءة والكتابة ليكتسب المعرفة كباقي البشر، فهو فوق التحصيل العلمي المكتسب من القراءة والكتابة، ، لأن الله تعالى أراد أن يسمو بعلم من اصطفاه لتبليغ رسالة الإسلام بجعل مصدر علمه مباشرة من الوحي ، فالذين ينفون أميته صلى الله عليه وسلم سلبوا عنه أهم خَصِيصَة من خصائصه وهو التعلم المباشر من الله عز وجل ، فأميته صلى الله عليه وسلم مدحٌ وليست ذما أو مَنْقَصَة.
كما أن أميته صلى الله عليه وسلم دليل عقلي على صدق نبوته، لأنه جاء بكتاب فيه أخبار الامم السابقة والغيبيات و الاعجاز العلمي…، ولو كان قارئا كاتبا لوجد المشركون في ذلك العصر والمشككون في هذا العصر منفذا للطعن في نبوته والريبة في رسالته ، باتهامه بالاقتباس من التوراة و الإنجيل ، وقد تم تصوير هذا المعنى في قوله تعالى:” وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون“[1] ، فهذا نص قطعي الثبوت والدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ أو يكتب.
وأما قوله تعالى في مطلع سورة العلق :” اقرأ باسم ربك الذي خلق” [2]،فقصتها مشهورة فعندما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء وقال له: “اقرأ” فقال : “ما أنا بقارئ ” ، فقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يطلب منه أن يقرأ ، فأجابه أنه لا يعرف القراءة ، فكلمة اقرأ تحتمل أمرين: الأول هو
[1] سورة العنكبوت: الآية 48
[2] سورة العلق: الآية 1
القراءة البصرية بتهجئة الحروف ، وقد نفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه بقوله : “ما أنا بقارئ” ، والثاني هو: القراءة الغيبية أي الحفظ والترديد والتكرار، ذلك أن جبريل عليه السلام لم يحضر معه كتابا ليقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمقصود القراءة الغيبية أي الحفظ والترديد وليس القراءة البصرية بتهجئة الحروف.
وقوله تعالى: “وقالوا أساطير الأولين اكتتبؤها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا “[1]، فقد نزلت هذه الآية الكريمة في “النضر بن الحارث العبدري” الذي كان يطلع على ما يكتبه الفرس و الروم وكان شديد العداء للرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يقول : “ما محمد بأحسن حديثا مني و ما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها “، فادعى أن أحدا ما كتب له القرآن ، لكنه لم يَدَّعِ أبدا أنه من كتبه، وهنا تجدر الإشارة إلى دقة اللفظ القرآني ، فقد عبر القرآن بلفظ ” اكتتبها” وليس بلفظ ” كتبها” ، لأنه معلوم عند قومه أنه لا يقرأ ولا يكتب .
إن أقوى حجة يستدل بها من ينفون أميته صلى الله عليه وسلم ،هو ما رواه الإمام البخاري في قصّة صلح الحديبية عن البراء رضي الله عنه قال : ” لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمر ، أبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام ، فلما كتبوا الكتاب، كتبوا : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ،قالوا : لا نقر لك بهذا ، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً ، ولكن أنت محمد بن عبد الله . فقال : ( أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله ) . ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( امح رسول الله ) ، قال علي : لا والله لا أمحوك أبدا . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب ، فكتب : ” هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب”.
فاحتجوا بأن هذه الرواية أقرت بمباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لكتابة ما نصّه : ” هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ” ، ومادامت الكتابة قد ثبتت عنه فلا شك أنه يعرف القراءة لأن القراءة فرعٌ عنها .
إن هذه الرواية تحتمل أمرين: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو المباشر للكتابة، أو أن يكون علي رضي الله عنه هو الذي قام بالمباشرة ، وتكون نسبة الكتابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجازيةً باعتبار أنه هو الآمر بالكتابة ، وإذا أردنا معرفة رجحان أي الاحتمالين ، ذلك أن رواية البراء رضي الله عنه ، قد اقتصر رواتها على بعض الألفاظ دون بعض ، ومن هنا حصل اللبس في هذه الرواية، لذلك يجب العودة إلى جميع الروايات لرفع اللبس.[2]
[1] سورة الفرقان : الآية 5
[2] لقد روى هذا الحديث المِسور بن مخرمة و مروان و أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين ، واتفقت تلك الروايات كلها على أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه بالكتابة
ففي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله “[1] .
ورواية أخرى جاء فيها : ” فقال لعلي : امح رسول الله ، فقال علي : والله لا أمحوه أبدا، قال: فأرنيه، قال فأراه إياه ، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده “. [2]
مما يدل على احتياج النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كي يرشده إلى مكان الكلمة، لأنه لا يعرف القراءة أصلا.
وفي رواية أخرى : ” فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فأمر فكتب مكان رسول الله محمداً ، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله “.[3]
ومنه يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علياً رضي الله عنه أن يمحو كلمة:
رسول الله ، فرفض عليٌّ ذلك ، فطلب منه أن يريه مكانها ، فمحاها بيده ، ثم أمره بكتابة لفظة بن عبدالله ، وهذا هو مقتضى الروايات .
ومن حججهم أيضا ما رواه البيهقي : ” ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب “.[4] لكنه حديث ضعيف .[5]
ومما يحتجون به على نفي أمّيّته صلى الله عليه وسلم ،ما ذكره العباس بن عبدالمطلب عندما سأله اليهودي ، وقد وقع في هذا الرواية بعض اللبس[6] ، وموضع اللبس عند قوله : ” فقال الحبر اليهودي : هل كتب بيده ؟ ، قال العباس : فظننت أنه خير له أن يكتب بيده ، فأردت أن أقولها ، ثم ذكرت مكان أبي سفيان أنه مكذبي ورادٌّ عليّ ، فقلت : لا يكتب ، فوثب الحبر وترك رداءه وقال : “ذبحت يهود وقتلت يهود ” ، وبهذا يظهر أن أميّة النبي صلى الله عليه وسلم كانت أمراً مشتهراً يعرفها القاصي والداني من قومه.
ثم ننتقل إلى دليل آخر من أدلتهم، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوباً : الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية
[1] رواه البخاري عن المسور بن مخرمة و مروان
[2] رواية إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه
[3] وروى ابن حبان في صحيحه عن محمد بن عثمان العجلي قال : حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه
[4] رواه البيهقي عن عون بن عبد الله عن أبيه
[5] فقد قال الإمام البيهقي نفسه : هذا حديث منقطع ، وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين، وقال أبو عقيل : ضعيف، والحديث ذكره الإمام السيوطي في الموضوعات .
[6] عند العودة إلى الرواية في مصادرها ، فقد روى هذه الرواية البيهقي في ” دلائل النبوة “، وذكرها ابن كثير في ” البداية والنهاية ” بسندها.
عشر ، فقلت : يا جبريل ، ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ . قال : لأن السائل يسأل وعنده ، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة” [1]، قالوا : والقدرة على القراءة فرع الكتابة ،لكن ما استدلوا به لا يصلح للاحتجاج لأن الحديث ضعيف جدا.[2]
وختاماً ، فإن ما ذكره المستشرقون ومن تبعهم من محاولات للتشكيك في أمّيّة النبي صلى الله عليه وسلم لا يصمد أمام حقيقة هامة ، وهي أن أهل مكة الذين عاشوا معه وعلموا أخباره ، وعرفوا أحواله وصدقه وأمانته ، قد أقرّوا جميعا بأميّته حتى المشركون من قومه.
[1] رواه ابن ماجة بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه
[2] آفته خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب : ” ضعيف مع كونه كان فقيها ، وقد اتهمه يحي بن معين ” . وسئل عنه أبو زرعة فقال : ” يروي أحاديث مناكير”.
جهات
ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية
في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...
«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم
مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...
عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح
ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...
أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر
بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...
جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية
أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...












