السلوك الانتخابي بالمغرب : في الحاجة إلى نموذج جديد للتواصل السياسي

12:47

✍️ عبدالرحمان الداكي: دكتور في القانون العام

إطار بالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بخريبكة

منذ اول دستورور عرفه المغرب ركزت كل الفعاليات السياسية نشاطها على ضرورة المشاركة السياسية من خلال المساهمة في الانتخابات. وبالتالي فقد أصبح ذلك وظيفة أساسية للأحزاب، الشيء الذي يعتبر طفرة في تطور الأشكال التنظيمية في المغرب. ولعل ما سمح بهذا التطور، التغيير الذي حصل في بنية السلطة والتغيير الذي طرأ في ميكانيزمات الحكم وتقنياته، فالانتخابات أصبحت وسيلة لانتقاء وتكوين النخب السياسية التي تقوم بتقلد أعباء الدولة وتنفيذ قرارات وتوجهات السلطة.

وإذا كانت الحملة الانتخابية تشكل حلقة ما بين الإطار القانوني/ السياسي وإجراء الاقتراع وتقديم الطعون، وهي تشكل نقطة تقاطع المنافسة السياسية، كما تعتبر مسرحا للمواجهة السياسية المنظمة بين مختلف الفرقاء السياسيين، بحيث تجعل الناخب مدعوا إلى ممارسة حقه الانتخابي عبر وظيفة الاختيار، كما تبرز أهميتها في إبراز مدى تطور سلوك المرشحين وعموم الناخبين ومدى رقي فعلهم السياسي أو تخلفه، إلا أن ما يثير الانتباه هو أن المشاركة السياسية إبان الحملة الانتخابية تتميز بما يلي:

– إثارة القضايا الساخنة، ذلك أن القضايا الانتخابية تبقى أهم عنصر في فهم ليس فقط العملية الانتخابية، ولكن أيضا العملية الديمقراطية في أغلب أبعادها، بل وتعد مقياسا دقيقا لمدى التطور الديمقراطي.

– التعديلات التي تمس الإطار السياسي والقانوني، من أجل تشجيع المواطن وإقناعه بأهمية وجدوى المشاركة السياسية

– الاهتمام أكتر بالمتغيرات الاجتماعية كالوضع الاجتماعي ومستوى التعليم والدخل والمهنة، وارتباطها بالمشاركة السياسية من أجل تحسين هذه الأوضاع.

– تزايد درجة ونضج مؤسسات المجتمع المدني وارتباطها بتزايد نسبة المشاركة السياسية.

من خلال متابعة الأحدات التي تخص الأحزاب السياسية يبدوا أنها تتصرف بمنطق عجزها البنيوي عن طرح برامج سياسية حقيقية، فهي تعوض هذا النقص باقتصارها على رفع نفس الشعارات، واستخدام نفس العبارات العامة والمفخمة من قبيل: العدالة الاجتماعية وتحقيق التقدم والرفاه والتغيير والتجديد ومحاربة الفقر والسكن غير اللائق والرشوة والفساد…، من دون الخوض في التفاصيل والسبل العقلانية من أجل تحقيق ذلك، هذه الشعارات المفخمة تخفي وراءها غياب البرامج الحزبية، هذا الغياب تعوضه الأحزاب بلجوئها إلى الاستعمال المكتف للإطناب والحماس.                                      

ويبدوا من خلال استقراء كيفية تدبير الأحزاب للانتخابات التشريعية بالمغرب أن غالبية الأحزاب لا تتوفر على إستراتيجية تواصلية يمكنها أن تكون أرضية لتسويق سياسي ناجع. وما زال التسويق الانتخابي مختزلا في الخطابة والتطبيل الزعيق، بتوضيف غرباء عن الأحزاب لا يمثلونه لا مظهرا ولا مخبرا، بل إن هناك مظاهر تلامس “العربدة الانتخابية” في الشوارع في فترات الحملة، حيث يتم تجييش بعض العناصر من الشباب الهامشيين من أجل إثارة الضجيج والهتاف بشعارات تملى عليهم دون أن يبدوا عليهم أي اقتناع بها، فيصبحون إذاك عرضة لتهكم المارة وسخريتهم. وبخصوص هذه الظاهرة التي يمكن من خلالها الاستدلال على اللاانسجام الذي يطبع التسويق الانتخابي بالمغرب، يجب في نظر الأستاذ عبد الوهاب الرامي سن قانون لايجوز بموجبه لغير حامل بطاقة الحزب ــ بعد انخراطه بمدة زمنية معينة في الحزب ــ أن ينشط في الحملة. ومن المعلوم أن إعطاء التزكية لغرباء عن الحزب بمناسبة الانتخابات من أجل استقطاب الأصوات على أساس قاعدة الوجاهة والمال هو أمر يجعل الاتصال السياسي، ومن ثم التسويق السياسي، مفرغا من محتواه. وهذان الملمحان اللذان ذكرتهما من أجل التسويق السياسي، بالمغرب ــ وفي الانتخابات التشريعية لا يملك في الغالب وسائل كفايته ولا آليات نجاعته.

ويمكن التدليل على ضعف ثقافة التسويق السياسي بالمغرب من خلال ثلاثة مظاهر:

أولا: إن الأحزاب السياسية لا تعرف بالضبط الملامح العامة لناخبيها: لا انتماءاتهم الاجتماعية ولا مستوياتهم التعليمية ولا شرائحهم العمرية ولا أفكارهم ولا المهن التي يزاولونها، ولا درجة ارتباطهم بالحزب وإيديولوجيته. ومن جانب آخر، فالحقل الانتخابي غير عقلاني بالمغرب، إذ عن طريق شراء الأصوات، نحصل على مخرجات وخرائط انتخابية غرائبية كالتصويت المكثف للفقراء وذوي الدخل المحدود على الأحزاب اليمينية، مما يجعل مفردات اليمين واليسار أو الوسط مجرد شعارات ليس لها صدى في العملية الانتخابية.

ثانيا: إن الحملات الانتخابية للأحزاب لا ترتكز على موضوع محوري يختزل تصور كل حزب بما يجعل البرامج الانتخابية متمايزة يسهل معها الاختيار من طرف الناخب.

إن الأحزاب السياسية المغربية التي تتنافس في الانتخابات أصبحت تعيش في تشتت كبير بسبب كثرتها الفائضة عن الحاجة، والتي تربك العملية الديمقراطية، من خلال تمييع الأفكار، وإتاحة الفرصة لقرصنتها، وكذلك ابتذالها عن طريق استسهالها وإفراغها من محتواها العملي وتحويلها إلى شعارات لعدم استنادها إلى عمق إيديولوجي.

ثالثا: إن كثيرا من الأحزاب لا تميز بين تبسيط الخطاب الانتخابي وتسطيحه. ولهذا فإن تبسيط الخطاب هو عمل من صميم الاتصاليين، ويمكن الاستعانة في ذلك بمختصين في المجال دون التفريط في العمق الذي يخلق التمايزات، ويحقق ضم أصوات الناخبين للبرنامج الانتخابي المطروح للتنافس.          

إن غياب الطابع المؤسسي للانتخابات وصعوبة مأسستها مرده إلى طغيان الطابع الشخصي، فالعلاقة بين الناخب/المصوت، والمرشح/المنتخب تظل علاقة تقليدية، حيث يميل الناخبون في أغلبهم إلى انتخاب أشخاص بعينهم، اعتمادا على الولاءات الشخصية والقبلية أكتر من الاعتبارات السياسية والحزبية، في هذه الحالة يصبح موقف الناخب يحدده منطق المصلحة الضيقة التي تجمعه بالشخص أو القبيلة. لهذا نفهم لماذا يلجأ المرشح إلى استعمال المال لشراء الأصوات والإغراء والإطعام الجماعي…، لأن المحدد في الانتخابات في هذه الحالة يصبح هو الشخص وليس الحزب، ولعل تفاقم الأمية خاصة في العالم القروي يلقي بظلاله، إذ يساهم بنصيب وافر في تكريس هذا الوضع إبان الحملات الانتخابية، وتساعد على التمسك بالقبلية والأشخاص والنفوذ والمال، أكثر من تمسكها بالأحزاب وببرامجها.

أمام هذا الوضع المتسم بسيطرة واعتماد الانتماءات التقليدية عوض القناعات الحزبية، بالإضافة إلى عدم توازي وجود نخبة سياسية عصرية متعلمة مع تواجد جماهير عصرية منسجمة، فإن الأمر يشجع على بروز ثقافة سياسية تقليدانية وزبونية مبنية على التبعية الشخصية، هذه الثقافة تتحكم في العملية الانتخابية انطلاقا من عملية الترشيح وانتهاء بنظرة الناخبين لممثليهم، فاستعمال التقليد إبان الحملات الانتخابية من طرف النخبة السياسية المتعلمة ــ حيت تستعمل مفاهيم من قبيل العار والضيافة والتقرب من المخزن وإثارة المرشحين لنسبهم الشريف…ــ ينم عن وضع تقليداني شبيه بالوضع الذي تحدث عنه عبد الله العروي، إذ تصبح الانتخابات بالمغرب وفق هذا الطرح تشكل آلية لإنتاج التقليدانية أكثر منها آلية لإنتاج الديمقراطية وتشجيع المشاركة السياسية، وهكذا فإن عملية الترشيح تصبح تحكمها في المقام الأول النظرة إلى المنصب الانتخابي مهما كان صغير الشأن، على أنه يظل فيما بعد في نظر المرشح مصدرا لبعض المزايا والامتيازات، حيث تتحول الانتخابات في هذه الحالة إلى لحظة في لعبة النخبة السياسية الانتهازية، وليس إلى تجربة سياسية يمكن أن تتمخض عنها الرغبات الحقيقية للمواطنين.

 ومما يزيد من تشجيع تقليدانية الحملات الانتخابية هو اختلاط ألوان ورموز الملصقات الانتخابية على الناخب، بالإضافة إلى انتشار الأمية وعدم الاختلاف في البرامج السياسية، أما استعمال الأحزاب للرموز والعلامات فهو لايفيد في شيء نظرا لتعدد الألوان من جهة، وتعدد الرموز والعلامات من جهة أخرى، الشيء الذي يعقد من مهمة الناخب الذي لايعرف القراءة والكتابة من التعرف على الحزب الذي يريد التصويت لصالحه، مما يجعل الحملات الانتخابية تتحول إلى تظاهرات بالألوان والرموز، فحتى المرشح قد يذوب ويغيب وراء اللون أو الرمز، الذي يصبح في نظر الأمي هو المحدد الرئيسي عوض الحزب، الشيء الذي يضفي على الحملات الانتخابية طابعا احتفاليا، حيت أضحى الإطعام الجماعي يشكل إبان الحملة الانتخابية سمة من سمات الثقافة السياسية المغربية

وهكذا إن المتأمل في المسلسل الانتخابي المغربي لايسعه إلا أن يسجل بالإضافة إلى محدودية التنافس الانتخابي، أن التشكيك المزمن في نزاهة الانتخابات، أصبح يشكل معطى بنيويا وأحد المعطيات الدائمة المصاحبة لكل استحقاق انتخابي، فالملاحظ أنه مند الانتخابات التشريعية لسنة 1977 تمتلت الوظيفة الأساسية للانتخابات المغربية، في تمكين ائتلاف حزبي موالي استراتيجيا للجهاز الإداري وللملك من أغلبية المقاعد البرلمانية، كي يقوم بالتطبيق الحرفي للانتخابات الموضوعة من طرف الممثل الأسمى للأمة. ومن أجل تطبيق هذه الاستراتيجية يظل الحكم هو المتحكم في العملية الانتخابية، بحيث لا يترك مجالا واسعا للتعبير السياسي، وهذا ما تكرر مع تجربة حزب الأصالة والمعاصرة إذ نشأ هذا الحزب كما هو معلوم في ظرف زمني وجيز، إذ استطاع أن يتحول من “جمعية لكل الديمقراطيين” إلى “فريق” داخل البرلمان ثم إلى “حزب” سياسي في ظرف لا يتعدى ثمانية أشهر، على أن يحتل الرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية ل 12 يونيو 2009.

كما يبدو أن الأحزاب أصبحت تحت سلطة الأعيان وأباطرة الانتخابات، فخلال الحملات لم نلمس حديثا عن البرامج الانتخابية وعن المبادئ المؤطرة للفعل السياسي إلا عند بعضها التي تستند قوتها من التاريخ أو ذات الإيديولوجية الإسلامية، حيث لغة التعبئة لم تتجاوز المال و المحسوبية واستغلال النفوذ والوعود الكاذبة التي تستبطن تسييد  ثقافة جديدة تعتمد على الوساطة والرشوة والخضوع للأغراض الشخصية الضيقة. وأصبح واضحا أن الأحزاب مهووسة فقط بضمان النجاح في عدد كبير من الدوائر دون احتساب الخسارة التي يتعرض لها رصيدها الرمزي، وإذا كانت بعض الأحزاب غير معنية بمسألة الرصيد الرمزي، لأنها ببساطة لا تتوفر عليه، فإن البعض الآخر، والذي بنى رصيدا مهما بشهدائه ومناضليه أصبح يعيش في حصار وضيق شديد مع الوافد الجديد الذي خرج من رحم وزارة الداخلية والذي اكتسح مقاعد الجماعات الحضرية والقرية خلال انتخابات 12 يونيو2009 وربما لولا تغير المناخ العربي والوطني وما أتبعه من إصلاحات دستورية وسياسية لما اكتسح الانتخابات التشريعية.

Promo
مجلة كنز المعرفة

«كنز المعرفة».. «كنز نيوز» تُطلق ملحقها التربوي الرقمي

أطلقت جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عددها التأسيسي من الملحق التربوي ...

إعلان مميز

جهات

3:17

ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية

في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...

News text

1:33

«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم

مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...

News text

12:56

عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح

ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...

News text

10:58

أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر

بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...

News text

9:59

جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية

أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...

News text
Promo
الرئيسية

«كنز المعرفة».. «كنز نيوز» تُطلق ملحقها التربوي الرقمي

أطلقت جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عددها التأسيسي من الملحق التربوي «كنز المعرفة»، لتُضيف بذلك إلى فضائها الإعلامي منبرًا متخصّصًا في الشأن التربوي والتعليمي، يجعل من التلميذ والأسرة التعليمية محورَ اهتمامه....

كلام من ذهب

Author
هل في إطار السير نحو التنمية المستدامة : سنحيد القبيلة أم لا:

✍️:الدولة بيروكي نثير موضوع القبلية ليس فقط لكونها مؤثرا على الوحدة بالرغم من أهميتها، إلا أنه بات من الضروري ربط تأثيرها على تماسك المجتمع الصحراوي، والأثر الكبير الذي يتركه التعصب...

Author
أشرف لكنيزي
«غرين غوست» تُسائل مآل المشروع الرياضي لأولمبيك خريبكة: «فمتى إلى الأمجاد سنعود؟»

أشرف لكنيزي رفع فصيل «ألتراس غرين غوست»، المساند لنادي أولمبيك خريبكة، ثلاث رسائل لافتة في مدرجات ملعب الفوسفاط خلال مباراة فريقه أمام شباب أطلس خنيفرة، مساء السبت 3 أكتوبر 2026،...

Author
محمد نشاط — محامٍ دكتور في الحقوق
انتهى الاقتراع… لكن ماذا بعد إعلان النتائج؟

✍️: محمد نشاط — محامٍ دكتور في الحقوق لم تنته السياسة بانتهاء الاقتراع، كما أن الانتخابات لا تختزل في يوم التصويت ولا في إعلان النتائج، فذلك اليوم، في الحقيقة، ليس...

Author
الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة 
أهمية العمل الجمعوي: دراسة تحليليّة شاملة حول المفهوم، التطور التاريخي، الأهداف والواقع بالمغرب

بقلم: الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة  مقدمة يُعتبر العمل الجمعوي أحد الركائز الأساسية للمجتمع، ومحركاً مهماً من محركات المجتمع المدني، كما تشكل الجمعية إطاراً تنظيمياً يستطيع من خلاله الإنسان...