أهمية العمل الجمعوي: دراسة تحليليّة شاملة حول المفهوم، التطور التاريخي، الأهداف والواقع بالمغرب

بقلم: الأستاذ خليل رمضاني محام بهيئة خريبكة
مقدمة
يُعتبر العمل الجمعوي أحد الركائز الأساسية للمجتمع، ومحركاً مهماً من محركات المجتمع المدني، كما تشكل الجمعية إطاراً تنظيمياً يستطيع من خلاله الإنسان المعاصر خدمة مختلف قضايا مجتمعه المدنية والاجتماعية والثقافية والرياضية والتعليمية والمهنية والاقتصادية.
وتضطلع جمعيات المجتمع المدني، بوجه عام، بدور الوسيط بين الفرد، باعتباره جزءاً من المجتمع، وبين الدولة ومؤسساتها، بما يجعلها فاعلاً أساسياً في الارتقاء بشخصية الفرد وتطويرها، من خلال نشر المعرفة والوعي والثقافة الديمقراطية، وتعبئة الجهود الفردية والجماعية من أجل مزيد من العطاء المثمر في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمساهمة في التأثير في السياسات العامة، وتعميق مفهوم التضامن الاجتماعي.
وتكتسي دراسة موضوع العمل الجمعوي أهمية خاصة، بالنظر إلى راهنيته واتساع مجالاته وتزايد الأدوار التي أصبحت تضطلع بها الجمعيات داخل المجتمع. ومن ثم، فإن مقاربة هذا الموضوع تقتضي الوقوف عند مجموعة من العناصر الأساسية، تتمثل في:
أولاً: مفهوم العمل الجمعوي
يقصد بالعمل الجمعوي ذلك العمل التطوعي وغير الربحي الذي يقوم به الإنسان داخل مجتمعه، في إطار منظم يهدف إلى خدمة الصالح العام وتحقيق أهداف ذات طبيعة اجتماعية أو ثقافية أو رياضية أو علمية أو تربوية أو مهنية أو تنموية وغيرها.
وتشكل الجمعية الإطار المؤسساتي لممارسة هذا النوع من العمل، من خلال تعبئة الأفراد وتنظيم جهودهم وتوجيهها نحو خدمة أهداف محددة، والعمل على توعية الفئات المستهدفة وتحفيزها على المشاركة في طرح الحلول المناسبة للمشكلات التي تواجهها، والمساهمة في تجسيد هذه الحلول على أرض الواقع.
|
التعريف القانوني للجمعية بالمغرب (الفصل 1 من ظهير 15 نونبر 1958): «اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص، لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم.» |
ومن خلال هذا التعريف يتضح أن العنصر غير الربحي يشكل أحد المميزات الأساسية للعمل الجمعوي، إذ تنصرف غايته، من حيث الأصل، إلى تحقيق أهداف ومصالح مشتركة دون أن يكون توزيع الأرباح بين الأعضاء هو الغرض من تأسيس الجمعية.
وتتنوع مجالات العمل الجمعوي داخل المجتمع، فتشمل المجال الخيري والاجتماعي والثقافي والرياضي والعلمي والتربوي والبيئي والتنموي وغيرها من المجالات التي تحددها أهداف كل جمعية ونظامها الأساسي.
ثانياً: نبذة تاريخية عن العمل الجمعوي بالمغرب
عرف العمل الجمعوي بالمغرب تطورات متعددة عبر تاريخه، إذ يمكن الوقوف، قبل فترة الحماية، على عدد من المؤسسات التقليدية التي كانت تضطلع بأدوار اجتماعية وتضامنية مهمة، من قبيل الزوايا والجماعات والرباطات والأوقاف، وهي مؤسسات كانت تؤدي بعض الوظائف التي تدخل، بمفهومها الواسع، ضمن العمل الجماعي والتضامني.
وخلال فترة الحماية، عرف تنظيم العمل الجمعوي تطورات مرتبطة بالظروف السياسية والاجتماعية السائدة آنذاك، حيث خضع تأسيس الجمعيات وممارسة أنشطتها لإطار قانوني وإداري خاص.
وبعد الاستقلال، عرف المغرب مرحلة جديدة في مجال تنظيم الحريات العامة، خاصة مع صدور الظهير الشريف رقم 1.58.376 بتاريخ 15 نونبر 1958 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات، والذي شكل إطاراً قانونياً أساسياً لتنظيم العمل الجمعوي، مع ما لحقه من تعديلات وتتميمات لاحقة.
ومنذ ذلك التاريخ، شهد المغرب تزايداً في عدد الجمعيات والمنظمات العاملة في مجالات متعددة، وأصبح العمل الجمعوي أحد روافد العمل الوطني والاجتماعي والثقافي والتنموي. كما ارتبط العمل الجمعوي، في مراحله الأولى، بشكل وثيق بمختلف التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، وبالدفاع عن عدد من الحقوق والحريات والقضايا الاجتماعية والوطنية.
|
المستجد الدستوري لسنة 2011 (الفصل 12): «تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون… وتساهم، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها.» |
ويؤكد ذلك أن العمل الجمعوي لم يعد مجرد نشاط تطوعي محدود، وإنما أصبح أحد المكونات الأساسية للمجتمع المدني وأحد آليات المشاركة المواطنة.
ثالثاً: أهداف العمل الجمعوي
إن الهدف الأساسي من تأسيس الجمعيات يتمثل في تحقيق غايات ذات طبيعة غير ربحية، وهو ما يميزها عن الشركات التجارية التي يرتبط نشاطها، من حيث الأصل، بتحقيق الربح.
وتعمل الجمعيات على دعم مختلف الأنشطة الهادفة إلى بلورة العمل الاجتماعي والثقافي والتربوي والاقتصادي والفني والرياضي والبيئي والتنموي، فضلاً عن التربية على المواطنة وغرس القيم الأخلاقية والديمقراطية، واحترام الآخر والانفتاح عليه، وترسيخ ثقافة العمل التشاركي. كما تساهم الجمعيات في إنجاز مشاريع وبرامج في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والفنية، وتقوية وتعزيز وحدة الصف، وتمتين العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتشجيع التعاون والتفاعل الاجتماعي والثقافي البناء.
ومن بين الأهداف التفصيلية التي يضطلع بها العمل الجمعوي:
وتختلف أهداف الجمعيات بحسب طبيعتها وتخصصها ومجال اشتغالها، وتحدد عادة في نظامها الأساسي، على أن تلتزم الجمعية بتفعيل تلك الأهداف في حدود إمكانياتها البشرية والمادية والإدارية.
وفي المقابل، يجب أن تظل أهداف الجمعية وأنشطتها منسجمة مع القانون والنظام العام والآداب العامة والمقتضيات المنظمة لحق تأسيس الجمعيات. وقد نص الفصل الثالث من ظهير 15 نونبر 1958، كما وقع تغييره وتتميمه، على بطلان الجمعية التي تؤسس لغاية أو هدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو يستهدف المساس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو يدعو إلى كافة أشكال التمييز.
رابعاً: مبادئ ومرتكزات العمل الجمعوي
يرتكز العمل الجمعوي الناجح على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تساعد الجمعية على تحقيق أهدافها وضمان استمراريتها وفعاليتها، ومن أبرزها:
أولاً: وضع برنامج واضح ومحدد الأهداف وقابل للتطبيق.
ينبغي أن تنطلق الجمعية من رؤية واضحة وبرنامج عملي يحدد الأهداف المراد تحقيقها، والوسائل والإمكانيات اللازمة لتنفيذها.
ثانياً: التعاون والتكافل.
يشكل التعاون بين أعضاء الجمعية وشركائها ومختلف الفاعلين أحد الأسس الضرورية لبلوغ الأهداف المسطرة وتحقيق نتائج ملموسة.
ثالثاً: اعتماد وسائل واضحة للتمويل والتدبير المالي.
يتطلب العمل الجمعوي اعتماد أساليب واضحة وشفافة في تدبير الموارد المالية، بما يعزز الثقة ويضمن حسن استعمال الإمكانيات المتاحة.
رابعاً: إسناد مهام القيادة إلى العناصر المؤهلة.
ينبغي إسناد مهام التسيير والتدبير إلى أشخاص تتوفر فيهم الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية والسهر على تحقيق أهداف الجمعية وخدمة المصلحة العامة.
خامساً: احترام النظام الأساسي للجمعية.
يشكل النظام الأساسي المرجع التنظيمي للجمعية، ولذلك يتعين احترام مقتضياته والسهر على عقد الجموع العامة في مواعيدها، وفقاً للقواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها.
سادساً: تكريس التشاور والتكافل والتعاون والتآزر.
إن العمل الجماعي القائم على التشاور وتبادل الآراء يساهم في ترشيد القرارات وتقوية الانسجام بين أعضاء الجمعية.
سابعاً: التفاني والبذل والتضحية والعمل الدؤوب.
يتطلب العمل الجمعوي روح المبادرة والاستعداد لبذل الجهد والوقت من أجل تحقيق الأهداف المحددة.
ثامناً: تقييم المشاريع والتجارب السابقة.
يساعد التقييم المستمر على الوقوف على مكامن القوة والضعف، وتجاوز الإكراهات وتصحيح الاختلالات، بما يسمح بتطوير أداء الجمعية وتحسين نتائجها.
تاسعاً: خلق قنوات للتواصل.
يكتسي التواصل أهمية بالغة في العمل الجمعوي، سواء داخل الجمعية أو بينها وبين مختلف مكونات المجتمع، بما يسمح بالتعريف بالأنشطة وتبادل الآراء والانفتاح على مختلف المبادرات.
كما أن انخراط الفرد في العمل الجمعوي ينبغي أن يكون قائماً على المشاركة والعطاء المستمر، مع حقه في إبداء ملاحظاته واعتراضاته وتحفظاته، وممارسة استقلاليته في الرأي، والقيام بالمهام الموكولة إليه في إطار احترام قواعد العمل الجماعي.
فالعمل الجمعوي يشكل، في جوهره، مجالاً للتربية على الممارسة الديمقراطية، وعلى احترام الآخر وقبول الاختلاف، وعلى الحوار والاعتراف بالخطأ والنقد الذاتي، والإيمان بأهمية العمل الجماعي والتعاون والتنسيق مع مختلف الفاعلين.
خامساً: واقع العمل الجمعوي بالمغرب
عرف العمل الجمعوي بالمغرب توسعاً ملحوظاً، وأصبح حاضراً في مختلف المجالات والمناطق، غير أن هذا الواقع لا يخلو من مجموعة من الإكراهات والتحديات التي تؤثر في فعالية عدد من الجمعيات وقدرتها على تحقيق أهدافها.
ومن بين هذه الإكراهات ضعف البنيات التحتية الضرورية لممارسة الأنشطة الجمعوية، ونقص بعض المرافق العمومية والثقافية والرياضية، ولا سيما في عدد من المناطق القروية، إضافة إلى محدودية الموارد المالية المتاحة لبعض الجمعيات، وضعف التأطير والتكوين والمتابعة.
كما تبرز أحياناً إشكالات مرتبطة بضعف التواصل والشراكات بين الجمعيات ومختلف الفاعلين، وغياب التخطيط الاستراتيجي والرؤية الواضحة لدى بعض الجمعيات، الأمر الذي قد يؤدي إلى سيادة الارتجال والمبادرات الظرفية بدل العمل وفق برامج ومشاريع واضحة قابلة للتقييم.
وتحتاج العديد من الجمعيات إلى تطوير آليات الإبداع والابتكار، والانتقال من الاقتصار على الأنشطة التقليدية والمتكررة إلى إعداد مشاريع وبرامج ذات أثر اجتماعي وتنموي قابل للقياس.
كما أن تعزيز الحكامة والشفافية في تدبير الموارد والبرامج يظل من العناصر الأساسية لتقوية الثقة في العمل الجمعوي، وترسيخ مصداقية الجمعيات لدى المواطنين والشركاء والجهات الداعمة.
ومن جهة أخرى، فإن استغلال العمل الجمعوي لتحقيق أهداف شخصية أو انتخابية أو فئوية، أو توظيف الجمعيات خارج الأهداف التي أنشئت من أجلها، من شأنه أن يضعف صورة العمل الجمعوي ويؤثر في الثقة المفترضة في مؤسسات المجتمع المدني.
كما تظل الحاجة قائمة إلى تعزيز الشراكات بين الجمعيات ومختلف الفاعلين المجتمعيين، وتطوير آليات التمويل والتكوين والتأطير، بما يسمح للجمعيات بالاضطلاع بأدوارها بصورة أكثر فعالية.
ولا يمكن اختزال واقع العمل الجمعوي في مظاهر الضعف والإكراهات فقط، إذ توجد تجارب ومبادرات جمعوية متعددة تساهم في خدمة المجتمع، غير أن تقييم هذا الواقع يقتضي التمييز بين التجارب الناجحة والتحديات التي ما تزال مطروحة، والعمل على تطوير الممارسات التي أثبتت فعاليتها.
خاتمة
إن واقع العمل الجمعوي بالمغرب يفرض، أكثر من أي وقت مضى، مراجعة وتطوير أساليب وممارسات العمل داخل الجمعيات، بالنظر إلى الأدوار المهمة التي أصبحت تضطلع بها في المجتمع، وإلى مساهمتها في عدد من برامج التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
فالعمل الجمعوي لم يعد مجرد نشاط تطوعي محدود، بل أصبح أحد مكونات المجتمع المدني وآلية مهمة للمشاركة المواطنة، وفضاءً لتعبئة الطاقات والموارد البشرية، وترسيخ قيم التضامن والتعاون والمواطنة.
ومن ثم، فإن الارتقاء بالعمل الجمعوي يقتضي تعزيز الحكامة والشفافية، وتطوير آليات التكوين والتأطير، وتشجيع الشراكات، واعتماد التخطيط والتقييم، وتقوية استقلالية الجمعيات وقدرتها على الابتكار والاستجابة للحاجيات الحقيقية للمجتمع.
وبذلك يمكن للعمل الجمعوي أن يساهم بصورة أكثر فعالية في تحقيق التنمية، وفي توسيع مجالات المشاركة المواطنة، وفي بناء مجتمع مدني قادر على الاضطلاع بأدواره في إطار احترام الدستور والقانون، وخدمة المصلحة العامة.
جهات
ورزازات: حملة تحسيسية حول سرطاني الثدي وعنق الرحم لفائدة متدربات معهد التكنولوجيا التطبيقية
في إطار الحملة الوطنية للتحسيس والوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 31 أكتوبر 2026، نظمت...
«منبّه» سيارة يجرّ ثلاثة أشقاء إلى القضاء بتهمة الاعتداء على نائبين لوكيل الملك بوادي زم
مثل ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال أمام المحكمة الابتدائية بوادي زم، زوال أول أمس الاثنين، بعد متابعتهم بتهم من بينها إهانة رجال القضاء وممارسة العنف في حقهم. وتعود القضية إلى...
عامل إقليم ميدلت يتفقد رواق «فضاء الطفل» بالدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح
ميدلت : حسن أيت يوسف على هامش انطلاق الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قام عامل إقليم ميدلت، عقب...
أكتوبر الوردي.. المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات يكثف جهود التحسيس والوقاية والكشف المبكر
بمناسبة شهر «أكتوبر الوردي»، شهر التوعية والتحسيس بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، نظم المركز المرجعي للرصد المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم بورزازات التابع للمندوبية الإقليمية لوزارة...
جماعة بني ملال تقرر إغلاق محل شركة بالمنطقة الصناعية إلى حين تسوية وضعيته القانونية والبيئية
أصدر رئيس مجلس جماعة بني ملال قراراً جماعياً يقضي بإغلاق محل كائن بالمنطقة الصناعية للمدينة، مسجل في اسم شركة “ب،أ”. ويسري الإغلاق إلى حين تسوية الوضعية الإدارية والقانونية للمحل وتصحيح...












